القرطبي

360

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا " هذا توبيخ للذين تواصوا باللغو في القرآن . والمعنى : أي كلام أحسن من القرآن ، ومن أحسن قولا من الداعي إلى الله وطاعته وهو محمد صلى الله عليه وسلم . قال ابن سيرين والسدي وابن زيد والحسن : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان الحسن إذا تلا هذه الآية يقول : هذا رسول الله ، هذا حبيب الله ، هذا ولي الله ، هذا صفوة الله ، هذا خيرة الله ، هذا والله أحب أهل الأرض إلى الله ، أجاب الله في دعوته ، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه . وقالت عائشة رضي الله عنها وعكرمة وقيس بن أبي حازم ومجاهد : نزلت في المؤذنين . قال فضيل بن رفيدة : كنت مؤذنا لأصحاب عبد الله بن مسعود ، فقال لي عاصم بن هبيرة : إذا أذنت فقلت : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ، فقل وأنا من المسلمين ، ثم قرأ هذه الآية ، قال ابن العربي : والأول أصح ، لأن الآية مكية والأذان مدني ، وإنما يدخل فيها بالمعنى ، لا أنه كان المقصود وقت القول ، ويدخل فيها أبو بكر الصديق حين قال في النبي صلى الله عليه وسلم وقد خنقه الملعون : " أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله " [ غافر : 28 ] وتتضمن كل كلام حسن فيه ذكر التوحيد والإيمان . قلت : وقول ثالث وهو أحسنها ، قال الحسن : هذه الآية عامة في كل من دعا إلى الله . وكذا قال قيس بن أبي حازم قال : نزلت في كل مؤمن . قال : ومعنى " وعمل صالحا " الصلاة بين الأذان والإقامة . وقاله أبو أمامة ، قال : صلي ركعتين بين الأذان والإقامة . وقال عكرمة : " وعمل صالحا " صلى وصام . وقال الكلبي : أدى الفرائض . قلت : وهذا أحسنها مع اجتناب المحارم وكثرة المندوب . والله أعلم . " وقال انني من المسلمين " قال ابن العربي : وما تقدم يدل على الإسلام ، لكن لما كان الدعاء بالقول والسيف يكون للاعتقاد ويكون للحجة ، وكان العمل يكون للرياء والإخلاص ، دل على أنه لا بد من التصريح بالاعتقاد لله في ذلك كله ، وأن العمل لوجهه . مسألة : لما قال الله تعالى : " وقال إنني من المسلمين " ولم يقل له اشترط إن شاء الله ، كان في ذلك رد على من يقول أنا مسلم إن شاء الله .